أحمد بن علي القلقشندي
205
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الوجه الثاني في تحقيق المعاني ؛ ومعرفة صوابها من خطئها ، وحسنها من قبحها . وقد قسم صاحب الصناعتين ( 1 ) المعاني على خمسة أصناف الصنف الأوّل ما كان من المعاني مستقيما حسنا ، كقولك رأيت زيدا وهو أعلى الأنواع الخمسة وأشرفها قال في « الصناعتين » : والمعنى الصحيح الثابت ينادي على نفسه بالصحة ، ولا يحوج إلى التكلَّف لصحته حتّى يوجد المعنى فيه خطيبا . فأما المعنى المستقيم الجزل من النظم ، فمن الوعظ قول النّمر بن تولب ( 2 ) يذم طول الحياة : يودّ الفتى طول السّلامة والغنى فكيف ترى طول السلامة يفعل ( 3 ) يكاد ( 4 ) الفتى بعد اعتدال وصحّة ينوء إذا رام القيام ويحمل وقول أبي العتاهية في الوعظ بزوال العز والنعمة بالموت : وكانت في حياتك لي عظات وأنت اليوم أوعظ منك حيّا ! وفي وصف الأيام قول أبي تمّام : على أنها الأيّام قد صرن كلَّها عجائب حتّى ليس فيها عجائب ومن المدح قول أمية بن أبي الصّلت : عطاؤك ( 5 ) زين لأمريء إن حبوته بسيب وما كلّ العطاء يزين
--> ( 1 ) كتاب صناعتي النظم والنثر أو كتاب الصناعتين لأبي هلال الحسن بن عبد اللَّه العسكري المتوفى سنة 395 ه . ( كشف الظنون : 1082 ) . ( 2 ) كان شاعرا جوادا ، ويسمى الكيّس لحسن شعره . أدرك الإسلام فأسلم . ( الشعر والشعراء : 141 ) . ( 3 ) في الصناعتين : 44 : « تفعل » . ( 4 ) في الصناعتين : 44 : « يرد » . ( 5 ) المخاطب الممدوح هنا هو عبد اللَّه بن جدعان . ( كتاب الصناعتين : 48 ) .